حسن الأمين

276

مستدركات أعيان الشيعة

ولشدة تأثري بحيوية البيادر أيام موسمها ، ثم لشدة تأثري بانتهاء موسمها أذكر أنني في إحدى السنين نظمت قصيدة أودع فيها البيادر وأقف على أطلال القمح وآثار الخيام وذكريات الناس ، لا أذكر سوى بيتين منها ، وقد أنستني الأيام سائرها ، ومع أنها من شعر الصبا غير الناضج فما أسفت على شيء كما أسفت على أني لم أحفظها بين أوراقي لتكون صورة حية من صور المواقف العاطفية . أما البيتان فهما : خلت البيادر بعد طول عجيج ومحت بها الأيام كل ضجيج لا سامر الأحباب ثمة سامر أنسا ولا ليل الهوى ببهيج أما اليوم فقد خلت البيادر بعد طول عجيج ، لا خلوا إلى حين ، بل خلوا في كل حين ! . وعادت تلك البقعة جزءا من عمائر القرية وامتلأت بالمنازل ، واقتلعت الجوزة وانطوت الندوات وغابت المجالس والأسمار ! . الكروم والسحاري أما ليالي الصيف في القرية ، الليالي الاضحيانة ، فهي ليالي الكروم أولا وليالي السحاري ثانيا . فمنذ أوائل الصيف ينتقل الكثير من الحياة إلى كروم التين ، فتنصب فيها خيام الرند المعروف هناك باسم ( الغوردل ) أو الملول والسنديان . على أن الرند هو الأصل لاتساع أوراقه وكبرها بالنسبة إلى أوراق الملول والسنديان . وهذه الخيام نوعان منها ما هو طبقة أرضية تمهد الأرض أمامها لتكون صالحة لنشر التين عليها ليجف وييبس فيكون منه مئونة الشتاء . والخيمة هي المأوى الذي يفيء إليه أصحاب الكرم أو ضامنوه ، ففيها يقيلون وفيها يبيتون . وقد تكون بعض الخيام مرتفعة عن الأرض ومقامة على قواعد عالية من جذوع الشجر فتسمى عند ذلك ( السرير ) . فإذا عسعس الليل أشعلت القناديل أمام الخيام وتحلق السامرون في أفنيتها متحاورين متنادين ، وانتقل جزء كبير من حياة القرية إلى الكروم حيث الهواء الطلق والنسيم العليل والأفق الرحيب ! . فإذا تنفس الصبح امتدت الأيدي إلى ثمار التين الناضجة تقطفها لتمتلىء بها السلال القصبية الصغيرة والكبيرة ، فبعضها يحمل إلى البيوت فاكهة شهية ، وبعضها يطرح للتجفيف غذاء لما يأتي من الأيام . أما السحاري ( جمع سحرا ) فهي حقول الكوسى والخيار والقثاء والبطيخ التي تنصب فيها الخيام هي الأخرى مقيلا للقائلين ومبيتا للبائتين ومنزلا للضيوف المستجمين . السحاري وكروم التين في حريبة ووادي الملول ووردة والدواوير وعقبة عين الحمرا وشواثا وجل زكو . . . زالت إلا بقايا لا تجمع سامرا ، ولا تؤلف مجلسا ولا تلفت انتباها . فلا القناديل تنير دجى الليل البهيم ، فتجذب ببصيصها الضئيل النفوس قبل العيون ، ولا « الشبابات » ترن في أجواز الغسق فيلج رنينها القلوب قبل الآذان ! . عودة القطيع وفي أماسي الصيف يعود الرعاة بقطعانهم إلى القرية . يعود قطيع البقر مجتازا بالبركة حيث ترد الأبقار من مائها لترتوي طيلة الليل بما شربت في المساء ، ثم يمضي الرعاة على رأس القطيع وعلى آخر القطيع بعصيهم الطويلة ذات الشعب مجتازين بمقبرة القرية الشرقية وشاقين الطريق الطويل منها بين البيوت الشمالية ، وما هو أن ينحصر القطيع بين جدران البيوت حتى يغدو لوقع أظلافه ضجيج مسموع بعد أن كان هذا الضجيج يتلاشى في الفضاء الواسع قبل الولوج بين الجدران التي تحصره بينها فيصل إلى الآذان برتابته المشوشة . وكثيرا ما كنت أكون في الغرفة اللصيقة بالطريق فاصغي إلى القطيع يدب باظلافه على الأرض فيثير الغبار ويثير الضجيج معا ، وينتهي السير إلى ( الصيرة ) وهي أرض فضاء مسورة بجدران ينحصر بينها القطيع طوال الليل ! . وما هو أن يصل القطيع إلى ( الصيرة ) حتى تبدأ القرويات بالوصول إليها لتأخذ كل قروية بقرتها أو بقراتها إلى المنزل حيث تحلبها ثم تعيدها إلى ( الصيرة ) بين أترابها من البقر حيث يبيت الجميع حتى إطلالة الفجر ومع الفجر يعاود الكل الرحلة إلى المروج من جديد يتقدمهم ويسوقهم الرعاة بعصيهم الطويلة ذات الشعب ! . وعلى خطوات القطيع ، وعلى حفيف وقع أظلافه كنت أستيقظ كل صباح ! . ولعل من أطرف طرائف القرية أن انطلاق القطيع وإياب القطيع هما مما يحدد به الزمن في القرية ، وقطيع البقر يطلقون عليه اسم ( العجال ) ( بتشديد الجيم ) . لذلك يقولون مثلا : وصل فلان تحويلة ( العجال ) وسافر فلان سرحة ( العجال ) ! . . ومن العجيب أن ( السرحة ) ( والتحويلة ) لا يتبدل زمانها ولا يتقدم ولا يتأخر ، بالرغم من فقدان الساعات في أيدي الرعاة لذلك كانت من أصح ما يحدد به الزمن ! . . ولتحديد الزمن في القرية طرفة أخرى : أنهم يحددونه ( بمعالاة المجدرة ) وذلك أن ( المجدرة ) المؤلفة من العدس والبرغل والزيت والبصل هي الوقعة الأصيلة في القرية لأن ما تؤلف منه هو من نتاج القرية نفسها ومما يحصل عليه كل بيت ، فهي أرخص طعام وأكثر توفرا ! . وهل يطلب الفلاح الفقير في طعامه إلا الرخص والتوفر ؟ ! . ولا بد في معظم البيوت من أن ( يعلى ) قدر المجدرة على الموقد في المساء لتكون المجدرة حاضرة على العشاء ، وبالتكرار صار ميعاد ( معالاتها ) محدودا معروفا لا يحتاج تعيينه إلى الساعة ، بل صار هو الساعة التي تعين الزمن ! . لذلك يقال مثلا : وصل فلان : معالاة المجدرة ! . وتحديد الزمن بسرحة العجال وتحويلة العجال ومعالاة المجدرة دليل على ندرة الساعات وافتقادها إلا في الأقل الأقل من البيوت ، أو بالأحرى دليل على الفقر والفاقة ! . « ولصيرة العجال » في القرية شان آخر ، فبعد أن يمضي الليل في الظلام وتمضي ساعاته الأولى ، يكون البقر قد أفرغ ما في أحشائه من بقايا الحشيش الذي تغذى به طيلة النهار . وهنا يقبل على ( الصيرة ) بعض النسوة لجمع الأرواث ثم لتيبيسها لتكون وقودا للطبخ أو الاصطلاء . ويحاول النسوة جهدهن أن لا يثرن البقر لئلا يغضب الرعاة النائمون على ما مهدوه في جدران الصيرة . . ولكن البقر كثيرا ما يثور من حركات النسوة